فخر الدين الرازي

31

المطالب العالية من العلم الإلهي

حصول ذلك القدر من الرجحان . إن امتنع ، العدم ، فقد حصل الوجود . وذلك هو المطلوب . وإن لم يمتنع العدم ، فلنفرض ذلك واقعا . فإن كل ما كان ممكنا ، لم يلزم من فرض وقوعه محال . وعلى هذا التقدير يكون قد حصل عند حصول ذلك القدر من الرجحان : الوجود تارة ، والعدم أخرى ، بامتياز أحد الوقتين عن الآخر . بحصول الأثر في أحدهما ، وعدم حصوله في الثاني ، إن لم يتوقف على انضمام قيد إليه فقد يرجح الممكن المتساوي لا عن مرجح . لأن نسبة ذلك القدر من الرجحان إلى الوقتين ، لما كان على السوية ، ولم يختص أحد الوقتين بمزية ، لأجله صار هو أولى بالوقوع ، فحينئذ يكون تمييز أحد الوقتين عن الثاني تمييزا لأحد طرفي الممكن [ المتساوي « 1 » ] عن الآخر ، لا لمرجح . وإما أن يتوقف على انضمام قيد إليه ، فحينئذ يكون المرجح هو المجموع الحاصل من الأمر الذي كان حاصلا ، مع انضمام هذا القيد إليه . فيلزم أن يقال : إن مجرد الأمر الذي كان حاصلا [ قبل « 2 » ] ذلك ، ما كان تمام المرجح . مع أنا فرضناه تمام المرجح . هذا خلف . وأيضا : يتحقق بقيد التقسيم عند حصول ذلك المجموع . فنقول : إن كان الفعل [ واجبا « 3 » ] فهو المقصود . وإن لم يكن واجبا ، عاد التقسيم فيه . ولزم التسلسل . وهو محال . الحجة الثالثة : إن عند حصول الداعية المرجحة للوجود . إن امتنع العدم ، فقد حصل الوجوب وهو المقصود . وإن لم يمتنع العدم ، فليفرض العدم حاصلا مع حصول ذلك القدر من رجحان الوجود . لأن كل ما كان ممكنا ، لم يكن من فرض وقوعه محال . لكن هذا الفرض محال ، لأن حال حصول رجحان الوجود . لو حصل العدم يحصل في تلك الحالة رجحان العدم لأن عند حصول العدم ، يكون العدم راجحا ، لا محالة . وهذا يوجب أن يقال : إن عند حصول رجحان الوجود ، حصل رجحان العدم . وذلك يقتضي كون وجوده راجحا على عدمه ، وعدمه راجحا على عدمه ، وعدمه راجحا على وجوده ، باعتبار واحد ، في حال واحد وإنه محال .

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) ( 2 ) من ( ط ، ل ) ( 3 ) من ( م ، ل )